السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
334
مختصر الميزان في تفسير القرآن
والخطاب في الآية للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمقصود غيره من الأمة فقد تقدم في البحث عن عصمة الأنبياء عليهم السّلام ما ينفي وقوع هذا النوع من النسيان - وهو نسيان حكم إلهي ومخالفته عملا بحيث يمكن الاحتجاج بفعله على غيره والتمسك به نفسه - عنهم عليهم السّلام . ويؤيد ذلك عطف الكلام في الآية التالية إلى المتقين من الأمة حيث يقول : « وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ » إلى آخر الآية . وأوضح منها دلالة قوله تعالى في سورة النساء : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ( النساء / 140 ) فإن المراد في الآية وهي مدنية بالحكم الذي نزل في الكتاب هو ما في هذه الآية من سورة الأنعام وهي مكية ولا آية غيرها ، وهي تذكر أن الحكم النازل سابقا وجّه به إلى المؤمنين ، ولازمه أن يكون الخطاب الذي في قوله : « وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا » الخ ؛ موجها إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمقصود به غيره على حد قولهم : إياك أعني واسمعي يا جارة . قوله تعالى : وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ إلى آخر الآية ؛ يريد أن الذي يكتسبه هؤلاء الخائضون من الإثم لا يحمل إلى على أنفسهم ولا يتعداهم إلى غيرهم إلا أن يماثلوهم ويشاركوهم في العمل أو يرضوا بعملهم فلا يحاسب بعمل إلا عامله ولكن نذكّرهم ذكر لعلم يتقون ، فإن الإنسان إذا حضر مجلسهم وإن أمكنه أن لا يجاريهم فيما يخوضون ولا يرضى بقلبه بعملهم وأمكن أن لا يعد حضوره عندهم إعانة لهم على ظلمهم تأييدا لهم في قولهم لكن مشاهدة الخلاف ومعاينة المعصية تهوّن أمر المعصية عند النفس وتصغر الخطيئة في عين المشاهد المعاين ، وإذا هان أمرها أوشك أن يقع الإنسان فيها فإن للنفس في كل معصية هوى ومن الواجب على المتقي بما عنده من التقوى والورع عن محارم اللّه أن يجتنب مخالطة أهل الهتك والاجتراء على اللّه كما يجب على المبتلين بذلك الخائضين في